القاضي عبد الجبار الهمذاني
168
شرح الأصول الخمسة
إنما يرى ما يراه بالحاسة على ما نقوله . يبين ذلك أنه لو رأى ما يراه برؤية خلقها اللّه تعالى فيه ، لصح أن لا يخلقها مع هذه الأحوال كلها ، فلا يرى المرئي ، أو يراه مع فقد هذه الأمور ، وذلك مستحيل . ويمكن إيراد هذه الدلالة على وجه آخر لا يلزمنا هذا السؤال ، فيقال : إن أحدنا إنما يرى الشيء عند شرطين : أحدهما : يرجع إلى الرائي ، والآخر : يرجع إلى المرئي ، ما يرجع إلى الرائي فهو صحة الحاسة ، وما يرجع إلى المرئي هو أن يكون للمرئي مع الرائي حكم ، وذلك الحكم هو أن يكون مقابلا أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل . وإذا أوردته على هذا الوجه سقط عنك هذا السؤال . على أن هذا السؤال الذي أورده ينبني على أن الإدراك معنى ، وسنبين الكلام ، في أن الإدراك ليس بمعنى إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : ما أنكرتم أن أحدنا إنما لا يرى الشيء إلا إذا كان مقابلا له أو حالا في المقابل أو في حكم المقابل ، لأنه تعالى أجرى العادة بذلك ، فلا يمتنع أن يختلف الحال فيه ، فيرى القديم جل وعز في دار الآخرة . قيل له : إن ما يكون بمجرى العادة يجوز اختلاف الحال فيه ، ألا ترى أن الحر والبرد والثلج والمطر لما كان بمجرى العادة اختلف بحسب البلدان والأهوية ، فكان يجب مثله في مسألتنا لو كان ذلك بالعادة . فيجب صحة أن يرى الشيء أحدنا . وإن لم يكن مقابلا له ولا حالا في المقابل ولا في حكم المقابل في بعض الحالات ، لاختلاف العادة ، بل كان يجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف ، ويرى البعيد كما يرى القريب ، ويرى الرقيق كما يرى الكثيف . ومتى ارتكبوا هذا كله ، فالواجب أن يرى المحجوب كما يرى المكشوف ، ومعلوم خلافه . فإن قيل : ما أنكرتم أن ذلك من باب ما تستمر العادة فيه ، كما في حصول الولد من ذكر وأنثى ، وكطلوع الشمس من مشرقها وغروبها مغربها ، وكحصول كل جنس من الحيوانات من جنسه ، وكتاب الزرع وما يجري هذا المجرى . وجوابنا : أنا لم نوجب فيما طريقه العادة أن يختلف الحال على كل وجه ، بل إذا اختلفت من وجه واحد كفى ، وما من شيء من هذه الأشياء التي ذكرتها إلا والحال فيه مختلف على وجه . ألا ترى أن الولد قد يحصل لا من ذكر وأنثى ، فإن آدم عليه السلام خلق لا من ذكر وأنثى ، وعيسى عليه السلام خلق لا من ذكر ، وفيما بيننا فما من ولد